lundi 18 mai 2009

...الهجالة و"الضلف" وبينهما كامخ

لا شك أنكم على علم بالتعريف العربي "القح" لكلمة "كسكروت"...
لقد انتصبت في بلادنا، في فترة بعيدة، موجة تعريب شرعيتها حق فيما كانت ممارستها كمحاكم تفتيش، باطل في باطل... يكفي أن تتفوه بكلمة أعجمية لتخون الوطن والإسلام والعروبة وفلسطين، ناهيك عن أمك وذويك. وشعبنا التونسي، شعب عربي-مسلم حتى النخاع يرفض رفضا قاطعا أن يتكلم بلغة غير العربية ولا يأكل بكلمة غير عربية حتى وأن قبل على مضض الكسكسى البربري... فإن كانت اللبلابي كلمة عربية مصدرها رباعي "لبلب" ويعني "لحس" والعهدة على إبن منظور، فإن الكسكروت وهو الأكلة الشعبية الخفيفة قضما والثقيلة هضما لا رباعي فيه ولا خماسي ولا هم يحزنون... فكان لزاما علينا حينها عوض التهام الكسكروت أن نبحث عن مرادف له تمركز مع الغزو الهلالي... فكان "شاطر ومشطور وبينهما كامخ"... الشاطر والمشطور نعرفهما، أما الكامخ فنحن لم نلتقيه أبدا... وبالعودة لمعجم إبن تونس البار، إبن منظور، نعلم أن الكامخ هو الأدم... "جا يكحلها عماها"... وبالبحث عن الأدم، وجدنا أنه قد يكون "تسطيرة" أو "عجة"، "شكشوكة" أو "مشلوش"، "زميطة" أو "بازينة" أو غير ذلك من أي خليط قابل للهضم وينزل على المعدة إسمنتا و"دالة"...
من فضائل الضلف...
على المستوى التلفزي، برامج الهجالة هي اليوم في تونس مثل "الكامخ"، ذاك الخليط المحبب لجمهور المشاهدين مما جعلها لشهر أفريل المنصرم تحتل المرتبة الأولى بين تلفزات العالم بنسبة 42,5 في المئة، أي اكثر من 4 ملايين مشاهد وذلك قبل "حنبعل"بنسبة 24.3 في المئة و"أم بي سي فور" بـ15.3 في المئة و"أل بي سي" بـ9.7 في المئة وتأتي الجزيرة الإخبارية بـ7.5 في المئة. أما قناة 21، فهي في المرتبة السابعة. بمعنى آخر، ما يقارب نصف الشعب التونسي يحرص على متابعة برامج الهجالة. والفضل في العودة لأيام رئاسة السيد فتحي الهويدي حيث بين تحقيق أن التونسيون يؤمون تلفزتهم بنسبة 82 في المئة (قلو تعرفش العلم، فلو نزيد فيه!)، يعود الفضل إذا إلى المنتج والمخرج السيد سامي الفهري وشركته "كاكتوس برود" - وهي بالعربي المحترم "هندي للإنتاج" وبالفلاڤي المودرن "ظلف برود" – التي تؤثث شبكة الهجالة بمجموعة من البرامج الجذابة... ونحن أهل الريف نعرف مزايا الضلف على عباد الله وحيواناته...
هذه الشركة تنتج باسم تونس 7 مجموعة من البرامج تحتل رأس قائمة البرامج الأكثر مشاهدة حتى وإن فاقها في ذلك برنامج لقناة حنبعل بعنوان "المسامح كريم"... بحسب إحصائيات شركة "سيغما كونساي" لصاحبها حسن الزرقوني ولشهر أفريل، جذب برنامج "المسامح كريم الذي يعده وبقدمه "الصحفي والمتمرس في التحقيقات" – كما تقول حنبعل - عبد الرزاق الشابي 46 في المئة، أي ما يقل عن 4 ملايين ونصف فيما جذب "عندي ما نقلك" لأخيه علاء الشابي ومن إنتاج سامي الفهري ما يفوق 4 ملايين بالقليل... أما "الحق معاك" لمعز بن غربية فقد حصل على 3 ملايين ونصف و"أهنا هكة" لنزار الشعري حصل على 3 ملايين و360 الف و"سفيان شو" من تنشيط سفيان الشعري فقد جذب ما يقارب مليونين ونصف المليون من التونسيين... وبهذا تكون برامج السيد الفهري ليست في قاطرة البرامج التي تبثها تونس 7 فحسب ولكنها الغرض الرئيسي من وجود الهجالة، تلك التي، إن كانت الدنيا دنيا، لغيرت اسمها من تونس 7 إلى "ضلف تي في" اعترافا بالجميل في قولبة الشعب التونسي دون اللجوء إلى الباحثين والدارسين والمخططين ولا حتى الإستشرافيين وكل اللذين يقتلعون أفكارهم من الطين ولا يشترونها من عند الهولنديين...
نعرف أن الشركة الأم "للضلف برود" وهي "كارتاغو"، شركة هامة اقتصاديا وعلائقيا وأكثر من ذلك بكثير، إلا أن الدولة الوطنية علمتنا يوميا أننا في بلد القانون والمؤسسات... وبالتالي من الطبيعي أن نتساءل بكل حماقة عن أحقية إهداء أربعة برامج – والخامس على الطريق – في الأسبوع دفعة واحدة لشركة واحدة من دون "طزينة" الشركات المماثلة المنافسة لها معرفة وخبرة... نعرف أن هناك فوارق بإتساع السماء والأرض بين المال العام والمال الخاص... أن يفعل السيد العربي نصرة بقنواته الثلاث وبرامجها ما يريد، فذلك من ماله الخاص ومن حقه الدستوري أن يفعل ما يريد شريطة أن يحترم القانون في الغرض والا يزج بالبلاد في أمور لا تقوى عليها... أما الهجالة فهي تقتات من المال العام عبر فاتورة الكهرباء والغاز التي يدفعها أكثر من نصف مليون حريف... والفارق بين المالين ظاهر. أن يفتح باب القطاع العام على مصراعيه لشركة خاصة واحدة لتكون الممونة الوحيدة لترفيه الشعب التونسي، فذلك لا يقبله القانون ولا الجمهورية مهما كانت قيمة الشركة وبراعتها.
"متاع البيليك..."
التلفزة التونسية كمنشأ عمومي يحصل على ميزانية من الدولة يصوت عليها مجلس النواب ويصادق عليها مجلس المستشارين... مما يعني أننا في مجال القطاع العام الذي تسيره الدولة لصالح المجموعة الوطنية... ميزانية مؤسسة التلفزة للعام 2009 تعادل أكثر من 46 مليون دينار منها منحة للدولة بـ11 مليون دينار ونصف، مداخيل من الكهرباء والغاز تقدر بـ20 مليون دينار إضافة للإستشهار بـ14 مليون ومتفرقات بـ0,8 مليون... أما المصاريف فإننا نجد في باب الأجور اكثر من 18 مليون دينار وفي باب الإنتاج والبث 21 مليون دينار ونصف.... إلى هذا الحد، الأمور "سيڤورو" عال العال...
إلا أن المواطن ونتيجة لعدم رضاه على مردود التلفزة يتساءل على مآل الدنانير التي تخصم من جيبه كل مرة مع فاتورة الكهرباء والتي بحسب أكثر من صوت يعمل في ميدان الإعلام السمعي-بصري وفي هيكلة المنشآت العمومية لا تجد مسارها كلها نحو الإذاعة والتلفزة، بل قسم منها غير مقدر يتوجه نحو أبواب أخرى في الموازنة العامة للدولة... وبالتالي تبقى الهجالة بدون مظلة، غير قادرة على تجهيز البرامج، ما عدا تلك السيارة أو المناسباتية التي أجهزت على "وكالة النهوض..." ناهيك عن أن عديد العاملين بها لم يحصلوا على مخلداتهم منذ العام 2006 دون أن نذكر هؤلاء الذين طالب رئيس الجمهورية بتسوية وضعيتهم...
في هذا الكامخ الذي يسهر عليه مسؤولون لا علاقة لهم البتة لا بالإعلام السمعي بصري ولا بالإعلام جملة وتفصيلا، بل هم أميل إلى خدمة "الإدارة" سلبا وإيجابا، وجدت الهجالة نفسها في عملية لا تفقه فيها شيئا إن لم يعمل بها البتة وهي ما تسمى بـالـ"بارتيرينغ" ومعناها العربي "المقايضة"... هذه العملية التي تعامل بها شركة الضلف تعني أن الهجالة تحجز للضلف ساعات البث والضلف في المقابل تقدم برنامجا يتم الإتفاق على مواصفاته... وعلى الضلف أن تدبر رأسها بحثا عن المال اللازم لانجاز البرنامج... وتم ذلك وباعت الضلف نسبة من مساحة البث للمستشهرين... في الظاهر الأمور "مريڤلة" وهو ما جعل معالي وزير الإتصال و.... يصرح في إحدى جلسات البرلمان من أن التلفزة تبث البرامج "مجانا"... ويا ليته تناسى الموضوع كما يفعل دائما أهل السياسة عوض أن يجيب بما ليس الحقيقة الملموسة كما المجردة.
"كار الخليج" ملك عمومي
المقايضة في حد ذاتها عملية بعيدة كل البعد عن قنوات القطاع العام، ذلك أنها تأخذ موازنتها من المال العام. بل أكثر من ذلك، في فرنسا، على سبيل المثال، حتى القنوات الخاصة لا حق لها في المقايضة لما فيها من تأثير على الراي العام وهو أمر يختلف عما هو موجود في أمريكا... في تونس وأمام الفراغ القانوني، وزارة الإتصال تفرض ما تريد وترفض ما تريد... كان للضلف برنامج واحد في الشبكة الفارطة وها هي اليوم تبث أربعة برامج دفعة واحدة والخامس يطبخ لرمضان المقبل.
لم يكف "ضلفة برود" أن تقولب ذوق المواطن التونسي بنوعية من البرامج هي في الأساس نقيض رسالة القطاع العام، برامج الألعاب والرياليتي تي في...
لم يكف "ضلفة برود" أن تعمل بمفردها في هذا القطاع دون سائر الشركات الأخرى ودون احترام قوانين الإعلانات الرسمية...
لم يكف "ضلفة برود" أن تبيع الإعلانات بأسعارها الخاصة وتقدم إعلانات تتناقض والقطاع العام مثل الإعلان عن إذاعة موزاييك... وكيف للضلف أن تحصل على كل هذه الإعلانات التي تصل حد نصف مدة البرنامج إن لم "تهدها" الهجالة مساحة البث؟ أليس من حق الهجالة – كما يعمل بذلك في بلدان أخرى – الحصول على نسبة مئوية من الإعلانات والموزع الصوتي وما إلى ذلك...
لم يكف "ضلفة برود" كل هذا بل تأخذ أكثر من هذا...
تنجز البرامج الخاصة لـ"ضلفة برود" بمعدات الهجالة وأعوان الهجالة ولا نعرف على أي اساس يقوم هذا التعاون... حينما نقرأ على واجهة سيارة للملك العمومي – الوزارة الأولى – تحمل رقم 01.134453 أنها تستعمل لإنجاز مسلسل "مكتوب" من إنتاج "ضلفة برود" وإخراج سامي الفهري من بداية شهر جانفي حتى نهاية شهر جوان المقبل، حينما نعلم أن "كار التلفزة" يلقبونها "بكار الخليج" لأن من يعمل بها وهو من مرسمي القطاع العام يتقاضى أجرا إضافيا ويرحب به أحسن ترحيب ويقدم له العصير والكلمة الحلوة...
حينما نعلم كل هذا، لماذا لا تطلب الهجالة يد صاحب "ضلفة برود" ونكون قد قدمنا أكثر من خدمة... ومن قدم الخدمة له أجر ومن ساعد على تقديم الخدمة له أجران ونحن من يساعد على تزويج الهجالة للضلف، لعل هندي هذه السنة يعود علينا بالكامخ
الشبكة المقبلة...

خميس الخياطي

4 commentaires:

ART.ticuler a dit…

مقال جيد و دسم و ثري بالمعلومات ..فقط أردت إبداء ملاحظتين الأولى :
أن إختيار اللغة العربية (أقول اختيار ولست أدري إن كان في الأمر إختيار ،إذ اننا لا نختار لغتنا الأم..) قلت أن إختيار اللغة العربية لا يجب أن يكون تعبير عن إنتماء ايديولوجي وانما تعبير عن إنتماء ثقافي وحضاري ..فهذا التقسيم اللغوي : العربية للاسلاميين وذوي التوجهات القومية والفرنسية للعلمانيين هو تقسيم حسب رأيي ، تقسيم أيديولوجي متعصب
فما هو المانع من أن أكون علماني التوجه وعربي اللغة؟ وأعني باللغة طريقة التفكير.
الملاحظة الثانية هي وإن كنت ضد إستغلال المنشات العمومية من طرف الخواص لتحقيق أرباح على حساب المرفق العمومي وهذا أمر بديهي ولا نقاش فيه ..فانني أقول أنه لا نجاح لاي برامج أو مسلسلات لو لا إقبال التونسي على مشاهدتها والأرقام التي ادليت بها خير دليل على ذلك.
إن المواطن التونسي له القدرة على إيقاف هاته المهزلة ليس فقط على مستوى التلفزة بل أيضا على مستوى باقي وسائل الاعلام بالكف عن استهلاكها..أعتقد أن كل من يضغط على زر الهجالة وكل من يشتري جريدة من الجرائد بدورو هو مساهم بدرجة كبيرة في حالة الاعلام المزرية في تونس.
ملاحظة : كلمة لبلابي هي كلمة تركية وتعني الحمص المحمص

Ghoul a dit…

نجم نقول كان حاجة وحدة : كيف هي دولة القانون والمؤسسات ،كيما يعاودوا فيها النهار وطولو، وينو القانون إلي يأطر ميدان الإذاعة
والتلفزة ؟؟؟

تعليق a dit…

شكرا سي الخياطي علي هدا المقال الدي يوضح بالارقام و الدلائل القاطعة عينة من هدر المال العام وتجاوز القوانين و

التعدي علي المواطنة و دوس المؤسسات والقيم ...علي الجميع ايلاء الموضوع ما يستحقه ويجب ان يكون ملف الاعلام مطروحا بقوة في الانتخابات القادمة من المعارضة و خاصة من قبل المبادرة الوطنية من اجل الديمقراطية و التقدم

kassus a dit…

Salut :) Je voudrais t'annoncer l'ouverture de notre site Tunisianet.com.tn.

Nous sommes spécialisés dans la vente en ligne de matériel informatique en Tunisie. Nous aimerions avoir l'avis de quelques blogueurs Tunisiens afin d'améliorer nos services.

Si tu veux, tu peux m'envoyer un message sur kais.turki ((at)) tunsianet.com.tn

Merci d'avance !